منيع عبد الحليم محمود
14
مناهج المفسرين
ومع عناية الثوري بالتفسير فإنه لم يفسر القرآن على الطريقة المعروفة الآن وهي تتبع القرآن من أوله سورة سورة . وآية آية ، حتى ينتهى إلى آخره ، دون أن يترك آية بدون تفسير . كان سفيان - إذن - يفسر آية من هنا وآية من هناك . . . إنه كان يفسر الآية التي تحتاج إلى نوع من الشرح والإيضاح الذي يحتاجه بعض الناس لقصورهم في اللغة ، أو لقصورهم في الثقافة . وإذا فسر الإنسان القرآن كلمة كلمة ، وآية آية . . . وسورة سورة ، على هذا النسق الحالي ، فقد قيد القرآن - في وهمه وفي وهم من اتبعه - بفكرته بثقافته ، بعقليته ، بهواه إن كان صاحب هوى . . . وما من شك في أن أسلوب القرآن يتحكم في المفسر ، ولكن المفسر مهما حاول أن يستجيب إلى أسلوب القرآن فإنه يجد مجالا للتأويل حتى يصل إلى ما يرى - بحسب مستواه - أنه حق . ومع ذلك ومع كل ما قاله المفسرون مع قدماء ومن محدثين ، ورغم مئات الشروح التي وضعت للقرآن فان القرآن ما زال غضّا نضرا جديدا ، فياضا بالمعاني ، سيلا بالإلهامات ، ومن أجل هذه النضرة ، ومن أجل ترك أبواب الإلهامات يوحيها القرآن كل يوم لقارئه ، لم يفسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم القرآن كلمة كلمة ، وسورة سورة ، وإنما هي كلمة من هنا وآية من هناك ، بحسب الظروف والمقتضيات . . . وانظر مثلا كتاب التفسير في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم أو في غيره من كتب الصحاح فستجد أن تفسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إنما هو على ما ذكرنا . . . ولم يحاول كبار الصحابة تفسير القرآن على الوضع المألوف عندنا الآن ، ذلك لأنهم كانوا يرون أن القرآن في انطلاقه الموحى وفي نظرته الملهمة باستمرار ، وفي تأثيره الروحي والأخلاقي يجب أن لا تحده حدود ، وأن لا تقيده قيود ذهنية بشرية . ومن أجل بقاء استمرار القرآن فياضا بالهداية ، لا يحجب نبعه الصافي